لم يكن عدنان الحمادي مجرد رتبة عسكرية | عبدالحليم صبر
U3F1ZWV6ZTQzMzI1OTcwNTYyMDc1X0ZyZWUyNzMzMzc2ODY2NDU4Ng==
مواضيع نشرناها

لم يكن عدنان الحمادي مجرد رتبة عسكرية | عبدالحليم صبر

ما لم يعرفه البعض عن العميد عدنان الحمادي

كتب عبدالحليم صبر 
لم يكن عدنان الحمادي مجرد رتبة عسكرية تتعلق على كتف، ولا بنـــ،دقية تصيح في الفراغ، ولا حضورًا بروتوكوليًا يتكرر في نشرات الأخبار. كان عالمًا آخر موازياً؛ عالمًا يختلط فيه هدير البنادق بنداءات الفلسفة، وتجاورات السلطة مع هشاشة الإنسان.

في كل جمعة، كان لنا لقاء يشبه الاستراحة في ظل شجرة قديمة؛ لقاءٌ مُنقّى من رائحة البارود وصخب الثكنات. نتحدّث عن الرواية والقصة، عن الفلسفة والكتاب، عن الأغنية والناي والموسيقى. وفي آخر لقاء جمعني به، قبل يوم واحد من اغتياله، أهداني كتابًا في القانون الدولي. وقبله أهداني "عودًا" عراقيًا ـ رغم أنني لا أعرف أن أعزف العود ـ إذ كان يؤمن، بإحدى مقولات الفلاسفة: "يموت ببطء من لم يسمع الموسيقى."

وفي زيارتي الأخيرة معه إلى مصر، حمل لي روايات وثمانية كتب في الاجتماع والسياسة… كأنه كان يصرّ أن يترك في يدي ما هو أعمق من السـ،ــلاح: أن يترك فكرة.

كان لعدنان مكتبة تشبه خارطة معرفية واسعة؛ ثقافة، أدب، سياسة، فلسفة، دين، قانون، عسكرية، حضارات… وأرشيفًا يضم كل الاتفاقيات والمعاهدات اليمنية، كأنه كان يُدرك أن الوعي هو الجبهة الأولى، وأن الوثيقة قد تكون أقوى من الرصـ،ــاصة.

يتحدّث إليك فيستدعي طه حسين، وماري غوستاف، وباتريك جيرار (ملحمة قرطاج)، وكزافييه (بائعة الخبز)، وغابرييل ماركيز (مئة عام، الحب في زمن الكوليرا، خبر اختطاف)، وتشنوا أشيبي (كثبان النمل في السافانا). ثم يتوقف ليذكّرك بالبردوني والعقاد ونجيب محفوظ ونوال السعداوي ودرويش وشوقي وأدونيس… كأنه كان يحمل مكتبة تمشي على قدمين.

وعندما نتعثر في سؤال أو طريق، كان يقول: اسألوا الأستاذ منصور السروري؛ وكأنه يذكّرنا بأن المعرفة ليست فردًا، بل سلسلة تمتد من شخص إلى آخر.

وكان يحدثك بشغف عن محمد عبد الولي، عن "ريحانة" و"شيء اسمه الحنين"، وعن "فارع علي سعيد" الذي استدعاه مسؤولو "الدائرة" بطريقة مهينة… تلك القصص التي تحاكي المجتمع اليمني كلما ازداد صلف سلطة الأمر الواقع في صنعاء وتعز اليوم.

كان عدنان يصحو كل صباح قبل المواعيد، يعمل بين أشجار البن، "يشقي ويحجن" بالمحفر حتى يتدفأ بعرق المسؤولية. ثم يذهب إلى عمله الآخر… بلا ضجيج، بلا استعراض.

عدنان الإنسان والمثقف عرفه القليل فقط؛ أولئك الذين يبحثون عن القائد الإنسان، عن المشروع الوطني، عن الفكرة التي تُنقذ، لا عن البندقية التي تُرضي نزوة. أمّا الذين كانوا يبحثون عن الســ ـلاح والمال ـ وهم كثيرون ـ فقد اكتفوا بمدحه في اللحظة، فلما انتهى اللقاء تبخّر كل شيء بين أفخاذ المصالح… كأنهم لم يجلسوا معه يومًا.

عدنان لم يكن رجل حـ،ــرب وحسب ؛ كان مشروع وعي.

 

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

بحث هذه المدونة الإلكترونية

المتابعون